محمد هادي معرفة
288
التمهيد في علوم القرآن
وهي تشتمل على تصوير قصصي جميل ، وكان في تشبيهاته القصصيّة صادقا في عاطفته ، وقد أظهر في وصفه مقدرة نادرة في دقته وإسهابه وإلإحاطة بجميع صور الموصوف « 1 » . ولبيد لم يزل معاديا للإسلام معاندا ، فكان ممّن تأخّر في إسلامه ، حتّى اضطربت به الظروف ، كسائر كبراء قريش . وهو الذي عارضه عثمان بن مظعون وهو ينشد في مجلس من قريش ، وذلك بعد أن تخلّى عثمان من جوار الوليد بن المغيرة كراهة ان يذمّه مشرك . فصادف في منصرفه لبيدا ينشد هذا الشعر : « الاكل شيء ما خلا اللّه باطل » . فقال عثمان : صدقت . ثم قال : « وكلّ نعيم لا محالة زائل » . فقال عثمان : كذبت ، نعيم الجنة لا يزول . قال لبيد : يا معشر قريش ، واللّه ما كان يؤذى جليسكم ، فمتى حدث هذا فيكم ؟ فقال رجل من القوم : إنّ هذا سفيه في سفهاء معه ، قد فارقوا ديننا ، فلا تجدنّ في نفسك من قوله ! فردّ عليه عثمان حتى شرى أمرهما « 2 » فقام إليه الرجل فلطم عينه فخضّرها « 3 » . ولمّا كانت سنة التسع وهي سنة الوفود ، وقد افتتح رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) مكة ، وفرغ من تبوك ، وأسلمت ثقيف وبايعت ، أتته وفود العرب مستسلمة من كلّ وجه ، لأنّ العرب كانت تربّص بالإسلام أمر قريش ، فلمّا دانت له قريش ودوّخها الإسلام وعرفت العرب أن لا طاقة لهم بحرب رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) ولا البقاء على عداوته ، هرعوا يدخلون في دين اللّه أفواجا ، يضربون ، إليه من كلّ صوب ومكان . ومن جملة الوفود وفد بني عامر ، وفيهم عامر بن الطفيل ، وأربد بن قيس ،
--> به ومنى : موضع غير منى الحرم . تأبّد توحش . الغول ، الرجام : جبلان معروفان . ( 1 ) الزوزني : ص 90 . ( 2 ) أي اشتد وعظم الجدال . ( 3 ) أي جعل عينه خضراء من شدة اللطمة .